في بحر الحكي سقطت وسقطت كل أوراقي فلم أعرف غير القص طريقا لأنسج كل رواياتي


في ليلة ممطرة

كتبهارباب كساب ، في 11 مايو 2008 الساعة: 20:19 م

في ليلة ممطرةbooks

 

الأفكار تتوالى تترى ، ينظر للورق أمامه في ازدراء ، يكسر القلم .

يخرج من كتب التاريخ المتناثرة حوله واحد من أبطال مصر القدامى ، واحد من هؤلاء الذين صنعوا التاريخ ، طل عليه غاضبا ثائرا ثورة مقاتل يعرف كيف يهزمه سلاح مكسور .

ينظر له في لامبالاة ويمزق الورق ناثرا أشلاءه في كل أرجاء الحجرة ، إلا أن الفِكَرْ لا تكف عن متابعته ، تخرج من خباء عقله الرافض لكل شيء ، لكنه ما عاد يحس جدوى الكلام .

يصرخ البطل أحمس هاتفا : الفكر سلاحك ، والجندي لا يترك سلاحه .

تعلو ضحكته الساخرة فيحس أحمس الإهانة وخنجر السخرية الذي طعن به تاريخه يمزق قلبه .

الأمطار تضرب زجاج النافذة بعنف ، ينظر له أحمس في إشفاق ويقول : السماء عليك غاضبة .

يبصق على كل شيء وعلى كل الكتب الملقاة بلا عناية كأن أحداً بقر بطن مكتبته وألقاها خارجها .

إلا أنَّ أحمس القائد المثابر ما كان له أن ينسحب من المعركة اتخذ منه معركته إما هو أو أن يشطب تاريخه كله ويكفر بكل مقدساته .

يأخذ مفاتيح سيارته ويغلق الباب خلفه بعنف ، ينطلق بالسيارة غير عابئ بتلك الروح المقاتلة التي تزحف من خلف صفحات الماضي خلفه .

الماضي . نعم الماضي حيث كان للفكر وجود وللقلم خلود .

يضحك بصوت عالٍ ، ترمقه عيون أصحاب السيارات المنتظرين معه في الإشارة ، يتعجبون ضحكه منفردا في يوم كهذا وفي وقفة كتلك .

ترى ماذا يضحكه ؟!

الماء المنهمر بشدة يعوقه عن السير رغم أن المسَّاحات الأمامية لا تكف عن العمل ، يفشل في قيادة سيارته في هذا السيل المتدفق ، إلا أنه لم يتوقف وحده لقد وجد السيارة تقف وحدها أمام الجيش العرمرم الذي ظهر أمامه فجأة بجند لا يحصيها بصره ، تلمع سيوفهم تحت أضواء مصابيح الشارع يختفون خلف دروع ضخمة لا يدل عليهم غير ملابسهم الفرعونية القديمة .

يتزعمهم البطل الفار من الصفحات أحمس طارد الهكسوس .

-       ماذا يريد ؟ ألا يكفي ما حقق من انتصارات خلدت اسمه في التاريخ .

صرخ عاليا : ليس هذا زمن الانتصارات ، افهموا .

قال أحمس في ثبات : ها قد عدت لك بجيشي وسنحقق الانتصار .

-       ما عاد جيشك ينفع ، لقد تخاذل كل شيء ودُمر كل شيء .

-       إن دمرت الأسلحة ما كان لسلاحك الخالد خلود الحياة أن يُدمر.

-       لم يعد خالدا ، ولم يعد هذا زمنه .

-       إنك الكاتب ، إنك الفكر ، إن مات الفكر مات الشعب .

-       لقد مات فعلا .

-       أحفادي لا يموتون بهم روح الثأر ، وأنت منهم يا صاحب القلم .

قالها وهو ينحني أمامه ممجدا .

121053

قال : أنا ؟! لقد مت منذ أعوام .

اقتربت الجيوش يتقدمهم صفوف جنود تحمل ألواح البردي القديمة تزينها النقوش الفرعونية ، تدعمها الكتابة الهيلوغريفية ، وصورة للكاتب القديم ، يجبرونه أن يقرأ .

لكنه يصرخ : ما أنا بقارئ .

-       ستقرأ وتقرأ وستظل تقرأ وتحمل فكرك ، إنك أنت القائد .

تنهمر دموعه على ألواح البردي التي امتزج محتواها به ، وبأفكاره المستعرة برأسه ، تفيق الروح المحتضرة بداخله رويدا رويدا ، يمسك بريشة  ومدادٍ من دمه ، ويخط كلماته العربية الفصيحة تعانق قديمه المجيد .

يصيح الجند مهللين فرحين .

يعرف أحمس أنه ما خُلق لينهزم .

يصافحه ، يهبه قلادة النيل ثم ينصرف ، ليجد الرجل نفسه وحيدا في سيارته ، التفت حوله لم يجد أي منهم لم يجد غير أوراقه وقلمه ، امتدت يده إليهم في لهفة وشوق ، شرع يكتب وصوت المطر موسيقى تبعث في الروح ما كان قد مات .

 

رباب كساب

8/5/2008

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “في ليلة ممطرة”

  1. رباب كساب

    نص مفعم بالابداع .. ورائحة المطر .. والماضي ..والحاضر ..

    سيدتي الكاتب لن يتوقف عن الكتابه .. والقلم لن يقف جامدا فوق صفحة بيضاء .. سيتحرك ويتحرك ويرسم اجمل الحروف واقوى الحروف .. سيعلم ويحارب ويقف بوجه المخطئ .. انه القلم سلاحنا .

    تقبل مروري

  2. رباب

    أنت رائعه وأكثر من رائعه.

    وفي الليلة الممطرة……تتوالى كل الأفكار وكل الذكريات.

    لك ورده

    ياسر

  3. العزيز : زيد الشمري

    تحياتي

    لكم اسعد بمرورك وبكلماتك

    بالفعل أخي لن نتوقف عن الكتابة ولن نكسر سلاحنا لأنه باقي بقاء الزمن سنقف به في وجه كل من يخطئ ومن يتجنى ومن يظلم إنه نبراس في دياجير الظلام

    لك كل الود

    رباب

  4. أيها الفلاح الجميل كيف حالك

    أشكرك ياسر كلماتك نخجلني

    في الليالي الممطرة تئن النفوس بأوجاع تسعى للشفاء وتزحف الذكرى راجية البقاء

    لك كل الود وعبير الياسمين

    رباب

  5. ما أجمل المطر حين يختلط بمطر الأعين

    فلا ندرك الفرق بينهما

    وعند انقشاع غيوم السماء

    نجد أن غيوم الحزن قد رافقتها

    فما أجمله من شعور ..

    رباب

    جميل ما أسلفت في سطورك

    دمتي بود

    حمادة

  6. شكرا لك حمادة

    سعدت بمرورك العطر

    تقبل تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر