في بحر الحكي سقطت وسقطت كل أوراقي فلم أعرف غير القص طريقا لأنسج كل رواياتي


عودة سعاد

كتبهارباب كساب ، في 17 يوليو 2008 الساعة: 17:50 م

عودة سعاد

أتت إلى منزلنا غير جاهلة بما سوف تلقاه من تقريع ، وتقريظ من لسان لا يرحم غيرها حتى يرحمها هي .

عادت مضطرة بعد أن خرجت مطرودة بجرم لا يستحق سوى بعض لوم .

كانت قد اعتادت المجيء إلينا ، كما اعتادت أيضا لسان أمي الذي لا يرحم أبدا ، الجميع يتلاشى أمي حتى لا تصيبه طلقات مدفعها الرشاش ، حتى أبي ، تعلم ألا ينطق أمامها حتى لا ينتهي الأمر بطلاق جديد ، بات يمسك لسانه فلا تجبره الظروف على طلاق ثالث وقطيعة للأبد .

مرات كثيرة كنت أتمنى لو يفعلها ، ويريحنا جميعا .

وكم ابتلعت من إهانات وجهتها لي أمام غرباء ، أو أحد من أصدقائي .

تعلمت الصمت مثل أبي ، وما عدت ألومه رغم أنه الحر الوحيد فينا ، ولكن كيف يكون حرا ونحن برقبته ؟

النقاش في أي موضوع معها تكاد تكون نهايته إما أن تقذفني بأقرب ما لديها ، ودائما ما يكون نعلها الذي تصادق وأجزاء كثيرة من جسمي ،فهو أرحم من كوب الشاي الذي أُجبرت على تنظيف ما نتج عن إلقائه في وجهي ، أو أن تلقى سخرية لاذعة يمتد مفعولها لأسبوع وأكثر . 

جاءت المسكينة تجر أذيال الخيبة متحاملة على نفسها ، أذلتها الحاجة لأمي ، فعادت .

رغم أن هناك أزمة في توفر خادمات إلا أنه أيضا هناك أزمة طاحنة في ميزانية كثير من الأسر التي لا تتحمل أجر خادمة ، حتى لو كانت تأتي للتنظيف مرة كل أسبوع .

جاءت سعاد لمنزلنا منكسة الرأس تستحلف أمي أن تعود لخدمتها مرة أخرى .

رغم شكواها كل يوم من أنها لا تجد بديلا لها ، تدللت وتمنعت ثم وافقت في النهاية بعد أن تمتعت بإذلال سعاد ، أعمال البيت أرهقتها ، وخاصة أنَّ أختي طالبة الطب نكاد لا نرها في البيت .

أختي التي نلت توبيخا عظيما ، وتأنيبا لأني لم أكن متفوقا مثلها ، لم ألحق بسلك الأطباء ولو حتى البيطريين منهم ، واكتفيت بكلية التجارة ، التي أهلتني لأكبر مقعد على أهم مقهى في بلدنا .

رأيت سعاد تعمل في صمت ، تكاد تفر دموعها ، وأمي لا تكف عن اللوم ، السب ، التنبيه المستمر بأن تضع هذا هنا ، وذاك هناك ، رغم أن سعاد تحفظ أماكن كل شيء ، ولا تحتاج لإرشاد من أحد .

خرجت تاركا البيت قبل أن أقوم بعمل أحاسب عليه ، أشفقت على المرأة التي برقبتها أربع فتيات تنفق عليهن ، وزوج يتفنن في صرف ما تكسب  .

لقد طُردت شر طردة من البيت ، واختصمت أمي من أجرها عن عمل يوم طويل لمجرد أنها كسرت طبق من طاقم الصيني ، بعد يوم شاق طويل قضته معها في الإعداد لوليمة قد دعا إليها أبي بعض أصدقائه بمناسبة ترقيته في العمل .

ومن يومها لم أر سعاد ، ولم أسمع أمي إلا شاكية باكية لما تلقاه من معاناة في البيت ، وما ترتب عليه بعد ذلك من قضائي ليال مهموما ، مكدرا لما أسمعه أو يصيبني إذا شربت كوب شاي ، أو أكلت في طبق ، وتركته مكانه دون أن أقوم بغسله  .

خرجت من البيت أتلمس هدوءا ، فأصوات الشارع مهما كانت أرحم من الأصوات العامر بها منزلنا .

جلست على مقهاي ، أتاني طلبي المعتاد دون أن أطلب ، جلست أشربه ، أخرجت علبة سجائري التي أتحكم في إخفائها في منزلنا ، شربت بضع سجائر أنفث عن همي في تلك الجلسة التي كنت فيها وحيدا ، شاردا ، فما من مجنون يخرج من بيته في هذا القيظ ، ولا عمل وراءه سواي .

تعبت وتوقعت أن تكون سعاد قد انتهت من تنظيف حجرتي لأعود ، وأتمدد على سريري ، أو أجلس أمام جهاز الحاسب ألعب سوليتير أو حتى فيفا ، أو أكلم أي مخلوق على الماسنجر ، ليس مهما ماذا أفعل ؟ المهم أني سأكون بحجرتي .

دخلت البيت غير عابئ بشيء ، فإذا بي أمام سعاد وجها لوجه ، ولسان حالها ينطق بما يجيش به صدرها .

-         معلش يا سعاد ما إنتي عرفاها بس هيا قلبها طيب .

لم تنطق سعاد بشيء ، على الرغم من سوء لسان أمي إلا أنها تجزل العطاء ، ولا تبخل بأي شيء .

لم تكن قد انتهت من العمل ، ولم تخل حجرتي لي بعد ، فجلست متقوقعا على الكنبة في الصالة أنتظر الفرج .

وفي غمرة الانتظار الطويل ، وأنا لازلت جالسا على الأريكة ، سمع غطيطي الجيران .

7/7/2008

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “عودة سعاد”

  1. حلوة يا رباب..إلى الأمام دايما.

    :)

  2. مرسيه يا أحمد على الحضور وإنك هنا كمان أول واحد تعلق

    شرفت بك جدا

    تحياتي

    رباب

  3. ربااااااااااااااب

    جميلة يا قمر

    أتمنالك دوام التوفيق

    أخوكِ نيجــر

  4. مرسيه يا باشمهندس

    نورتني

    خالص تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر