روايتي الثانية مسرودة في معرض الكتاب الاسكندرية
كتبهارباب كساب ، في 1 مارس 2009 الساعة: 13:55 م
صفحات من الرواية
في حياتي الطويلة التي لم أعد أحصي عدد أيامها ، وسنواتها لم أبرح قريتنا قط إلا حينما دخلت الجيش ؛ عدت لقريتي بعد سنوات التجنيد ، لسابق عهد حياتي بها ، رجعت لأمي ، وأخواتي البنات اللاتي أكبرهن ، عدت لخالتي حبيبتي التي أكبرها بخمسة أشهر فقط فكانت كأختي ، خرجت للدنيا لتكون هي صحبتي كنا كتوأمٍ لا ننفصل ، يجمعنا ذات المكان ، ونفس الطباع ما أحبه تحبه ، ما أكرهه تكرهه نرتاد نفس الأماكن ، نسمع نفس الأغنيات ، أنا وخالتي مسرودة واحد .
كثيراً ما كنا نختفي من أخواتي وأصدقائنا ، ويبحث الجميع عنا فلا يجدنا ، لكن إن سأل أحد أمي فلن يضل فهي الوحيدة التي تعلم أين نذهب وإلى أي مكان نقصد .
حتى بعد أن كبرت ، وبعدت خالتي عن المكان لازلت أقصد نفس المكان حيث أرضنا في حوض داير الناحية ، وبالتحديد عند الساقية القديمة ، وشجرة التوت العتيقة ، والجميزة العجوز يكون مرتعي ، مكاني ، وسلواي .
حينما كنت وخالتي أطفالا اعتدت التعلق بالثور المغماة عينيه وهو يدور معلقا بالناعورة التي أستعذب نعيرها وهي تروي أرضنا القريبة منها قبل أن نعرف الموتورات ، وماكينات الري .
هناك لعبنا ولهونا وفي برمودة تجدنا والتوت على موعد ، تتحول فروع الشجرة الكبيرة إلى مخدعي ، أصعد إليها آكل ثمارها ، أهز فروعها فتتساقط الثمار لمسرودة ، والبنات ، وأصدقائي ، وإن كانت تشاركني الصعود أحيانا خالتي الجريئة ، لكنها ليست أسرع مني في تسلق الشجرة ، كنت متفردًا في ذلك ؛ لا أحد حافظا لحالِ فروعها مثلي ، أُحس الفرع قبل أنْ تطأه قدمي ،أستند إليه وفي أقل من الثانية أكون قد قررت أأبقى عليه أم لا .
في موسم دراس القمح كنت أجدها مهربي ، أختفي بين الفروع ، والأوراق الكثيفة هربًا من قسوة الشمس ، والعمل معًا ، وإن كانت شمس الماضي أحن علينا من شمس هذه الأيام التي فقدنا مع قسوتها معظم شهور السنة معرفة في أي الفصول نحن.
علمونا أن مناخ جمهورية مصر العربية حار جاف صيفا دافئ ممطر شتاء ، لكنه الآن لم يعد لا هذا ، ولا ذاك ، ففصل الصيف صار أغلب شهور السنة لا تحس الربيع ، والخريف قط ، أما الشتاء فصار بردا قارصا كما لو كنا في أوروبا لم يعد تجدي معه الجدران الأسمنتية ولا البطاطين السميكة ذات الوجهين ، أذكر في الماضي أني كنت أبيت ليلتي الباردة فوق الفرن المشتعل طوال اليوم فأتدفأ بحره الجميل فلا أحس ببرد ، ولا بنخر في عظامي ، هذا الفرن الذي كانت أمي تحرص عليه وتحافظ عليه وإذا حدث وانهار جزء منه سارعت ببنائه بنفسها ، وعلى سطح دارنا كانت تخزن الأحطاب حطب الذرة وحطب القطن اللذين يستخدمان في إحماء نار الفرن، رحمه الله كان يُخرج لنا أطيب الطعام وأشهاه فلم تعرف أمي فرن الغاز هذا المعدن الذي لا يعرف كيف يحس الطعام داخله ، فتجده يخرج منه غريباً كما دخله ، وكأن فرننا البلدي كان يأنس للطعام الذي يشابه مكوناته فيحسه منه قريبا يتفاعل معه ، يعطيه ولا يبخل فإذا حانت لحظة الفراق يبكيه في لوعة فيخرج الطعام متألما لفراقه ، وكأن لوعة البعاد لهي أسوأ من نار الفرن فتجد رائحة الفرن تملؤه مشربًا بها ، فكيف للحبيب ألا يتزين بعطر حبيبه ؟! وتجد نفسك في النهاية تتلذذ بما تأكل ، أما الفرن المعدن الذي لا يعرف سوى النار التي تأكله شيئا فشيئا يخرج منه الطعام كما لو أنه يحمل طعم انصهار الحديد ما إنْ يدخل جوفي حتى أترحم على طعام أمي التي كانت تدس صينية الأرز فنتهافت عليها وحدها دون أن نفكر أن نأكل معها شيئا فطعمها الجميل يكفي دون أي شيء ، وحين كانت تضع بعد الخبز برام البطاطس فإذا بنا على أحر من الجمر ننتظر لنأكل البطاطس حتى وإن كانت بدون لحم .
*********
أتى الزوج المنتظر ؛ ظننت أنني ابنة الحاج هاشم الجميلة سوف أحظى بشاب متعلم يعمل في المدينة موظفا ، وليس فلاحا ، رجل اختاروه بعناية ليحظى بمسرودة ، إلا أنهم أتوا بشاب وسيم حقا يكبرني بعشرين عاما يعمل تاجرا وفلاحا ، لم يكن باستطاعتي الرد فأخي زينهم كلمته لدى أبي وأمي نافذة .
قابلته . التقيت عينا اخترقتني منذ الوهلة الأولى ، ولأول مرة أجد عينا شرهة نهمة لا عينا محبة ، للمرة الأولى أجرب كيف يصعد الدم إلى رأسي فائرا لأن أحدهم نظر إليّ ، كلما التقيته وددت لو أنكمش في بعضي فلا يبين حتى وجهي .
جعلني أكره جسدي الذي طالما عشقته ، وتأملته في مرآتي ، كل قطعة فيه كنت أحبها ، وأرقب نموها يوما بعد آخر بشغف متطلعة لأن أرتدي مثل ما ترتديه ……. النساء .
وكم كنت أسأل مرآتي عن جمالي كما الأميرة في الحكايات القديمة التي سمعتها في الراديو قبل أن تأكل التفاحة ، وتغرق في سباتها العميق حتى يأتي أمير الأحلام ، يقبلها فتفيق من سباتها .
ضن علي الزمان بالأمير ، وأعطاني هذا الرجل ، لم ألتقه في فترة الخطبة أكثر من مرات تعد على الأصابع ، كان يجلس إليّ بضع دقائق قبل أن يجره أخي زينهم للعمل ، وكأنه يطمعه في البداية بالجلوس معي ، يسحره ثم يأخذه .
تلك الدقائق القصيرة كانت عمرًا بأكمله ، عمر حزين بلا لحظة فرح ، معه ودعت الفرح شيئا فشيئا حتى ضمتني وهو حجرة واحدة .
كلما اقترب يوم الزفاف كلما حاولت شحذ قوتي ، والتغلب على هذا الوضع ، شلني التفكير ، كيف أهرب من تلك الزيجة ؟
لم يكن بوسعي فعل أي شيء ، ما عليّ سوى أن أدفع نفسي دفعا للتحمل ، فالدنيا أمامي سوداء بلا بصيص ضوء ، لذا كنت عصبية ، اعتقد الجميع لخوفي من بداية الزواج كأي عروس تتوتر وتجبن ، تحملوني وهم يضحكون خلسة ، يظنون أني لا أراهم ، ولا أفهم فيما يفكرون .
وقبل يوم الحناء استسلمت لتلك المرأة التي أتوا بها لتجعل مني عروسا ، لكنها كانت تؤلمني لا تزيني .
ظلت تعمل على تزجيج حاجبيّ ساعة تلفحني أنفاسها الكريهة ، وأنا أتحمل ، وأتحمل نزعها شعر جسدي كله دون آه .
كل النسوة في الدار يضحكن ، ويغنين أغاني الأفراح المعتادة ذات المعاني المتوارية ، وكلما مررن بي في درس العذاب هذا يبتسمن ، وتقول إحداهن : علقة تفوت ولا حد يموت ، سبقناكي .
لم أكن أكلف نفسي حتى مبادلتهن الابتسام ، كنت أسمع فقط ويختزن عقلي الألم ويكره ، نعم يكره ، رغم علمي أنَّ كل فتاة تتزوج تمر بهذا ، إلا أن كل واحدة منهن تفعله راضية لأجل رجلها حتى وإن لم تكن رأته من قبل ، إلا أنَّ فرحتها بالحياة الجديدة هي التي تجعلها ترضى بل وتفرح .
حلم الرجل المبهم كان يجعلها فرحة مستبشرة ، دخول عالم كان عليه العديد من المحظورات ، ونساء يتكلمن خلسة بعيدا عن الفتيات الصغيرات العذراوات ، ويبتسمن في خبث حين تنطلق من فم إحداهن كلمة قبيحة أو تعليق ما ، أو حين تصف ليلتها كيف قضتها .
لكني رأيت رجلا أجبرت على الزواج به ، التهمتني عيناه حتى أصابتني بالقرف ، لم يكن بخيالي الذي أصيب بخيبة لم أحس بها من قبل ، خيبة أكبر من تلك التي أصابتني يوم حرمت من التعليم ومواصلة المشوار .
يوم الحناء امتلأ البيت بالنساء ، وساحة الدار الخارجية بالرجال ، علت الزغاريد ، وأتى إخوتي بصحبة المزمار والخيالة ، تسابقت النساء على الرقص واحدة تلو الأخرى ، بنات أخوتي ، وبنات زينب الجميع أمامي ، أم العروس تدور حول نفسها كما لو أن على كتفيها حمول الدنيا رغم أن نساء العائلة لم يكلفنها شيئا ، فهي كالمثل فاضية ومشغولة ، كانت الواجهة مثالية لحفل زفاف إلا أن خلف وجهي المبتسم نار حامية ، وقلب يشتعل غلا ، وحقدا ، وكرها للناس أجمعين ، في تلك اللحظة حتى دموع عبده كرهتها لأنها ذكرتني بضعفي ، وقلة حيلتي وضعفه فماذا فعل ؟ تشاجر من أجلي !! لكنه لم يأت بنتيجة .
عدت أقول لنفسي وما ذنبه ؟ يكفي أنه الوحيد الذي وقف أمام أخي متحديا في حين رضخ الباقون وكأن الأمر لا يعنيهم .
انتهى يوم الحناء وحل يوم الزفاف ، انقضى كل شيء وحانت اللحظة الحاسمة ، لحظة أن دخلت بيته ، دارت الدنيا بي شعرت بأن هناك شيئا يجثم فوق صدري ، كما أن الخوف ينحرني .
نعم كنت خائفة حد الموت ولولا تلك المساحيق التي واروا بها جمالي لرأيت وجها أصفر شاحبا .
بمجرد دخولي وهو الحجرة تبعتني أمي والقابلة وقاموا بما يجب عليهما فعله وسط صراخي وألمي وذهولي من استباحتهم لي رغم أنه السائد .
خرج الجميع لتعلوا الزغاريد وتطمئن القلوب ويقف زوجي منتشيا كأنه عبر سيناء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رواية, غير مصنف | السمات:رواية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























