في بحر الحكي سقطت وسقطت كل أوراقي فلم أعرف غير القص طريقا لأنسج كل رواياتي


محمد طلعت يكتب عن مسرودة

كتبهارباب كساب ، في 5 مارس 2009 الساعة: 13:09 م

مسرودة

هذه متعة تزداد كلما كان الحكى بعمق شجرة التوت العتيقة ، والجميزة العجوز ، ومحنة التمرد مُرّة كعريهما وذبولهما أو يزيد فى فصول الجفاف، هي مسرودة “أكلة” شهية تعطى مذاقها الطيب لمن يجيد صنعها لمن يفهما جيدا الا انها لم تجد من يجيد اعدادها بالشكل اللائق فتحولت الى حالة من عسر الهضم يصحبها القيئ والغثيان. هى الانسان التى خرجت عن طوق “الأكلة الشهية” لتجرّب غريزة الشر لتتحول للقمة صعبة البلع.
نشأت على حدود الانسانية كما ينشأ النبات على ضفاف الترع، ونبات الترع ليس نافع كله ، بل يوجد من أهل الريف من يسميه نبات شيطانى.!
إن درس ونقد مسرودة كتابة ثانية وموال يلحّن معاني ظلامية الانسان. أحاول هنا اعادة طرح بعض الاسئلة المستعصية على وجود مسرودة فى عالمها الذى صنع منها عالم أخر خاص بها لوحدها دون غيرها، ودون من تعرضوا لما تعرضت هى له، عالم نقف أمامه كما هى العادة حائرين أمام معجزة الانسان فى الحياة وطرائق خوضه لتلك الحياة.
وقد سبقها نقاء وطهر، وهو عبد العزيز السيد عبد العزيز القط يبدأ تعريفه من وفى القرية. عالم اخر مواز لعالم مسرودة، تتشابك وتهرب فيه لحظة الحنين فى آن واحد.
القرية جمعت بين هذين العالمين، وفى سماء القرية تـنزّلت الحكاية، والقرية مهبط الوحي والسرد، والقرية تنادي المدينة، وبيوت المدينة الخراسانية وباء يفتك بالقرية.
ولولاه (عبد العزيز السيد عبد العزيز القط)، لظلت مسرودة ، رهينة المدينة، فهو صفحة المياه التى تنجلى فيها بكارة مسرودة قبل ان تدنس بقرار الاسرة بحرمانها من التعليم وزواجها المبكر.
قضية أزلية هى تلك التى تلعب فيها قوى جبروت الاسرة أو الاهل لعبة القضاء والقدر، لعبة تُزيح الفرد وتفتك باختياره.
المرأة لا تحب، بل تتزوج الذي يختاره كبار القوم ووفقا لمصالحهم(هكذا كان قرار زواج مسرودة الأول)، والهامشي (الزوج الفقير الذى اخترته مسرودة كى يكون مجرد ديكور تواجه به حياة المدينة الجديدة، والذى كتم هواه لها منذ الصبا لفقرة المدقع)لا يحب من كانت ذات نسب أو مال، لأنها نصيب الرخاء لا من نصيب التعساء العشاق الفقراء.
هى حكاية بسيطة وغيبٌ، ينجلى كأنه قدر مرسوم على الجبين يتحقق كلما مرت السنين.
أما الراوي (ذو الصوتين والأناتين. الذكر - المؤنث) كان مطمئنا في روايته، أمينا في نقلها، محايد إلى درجة البرودة، يعرف ما يزول وما يبقى، يعرف تفاصيل الحكاية وكأنها قامت دفعة واحدة، وفي ليلة واحدة، طويلة.
وعندما كان بلغته الواضحة، السافرة، يشكل جسد الرواية ولا يتدخّل في نسجها ونسيجها، كان يرفض المشاركة وينتصر على المتلقي ويهيمن عليه، فلا مجال للسؤال، الراوي يعرف البداية والختام. مما يجعلنا بدورنا ان نطرح علامة استفهام:
هل متن الأحداث قابل للتكرار فى العالم الخارجى لعالم الرواية ؟
انه استبداد الرواى الذى يقود الحكى مأمورا إلى مستقره ومثواه الاخير الحالم بنهايات الموفقة دائما بالموت السعيد، فانى أرى النهاية السعيدة التى ختمت بها رباب كساب مسرودتها ماهى إلا حالة موات تلك التى يحلم بها معظم المؤمنين بجنة الرحمن فى عالم اخر، عالم بعيد عن الشيطان، وبرغم سذاجة النهاية والتقوى التى ظهرت على مسرودة وعالمها الجديد المفعم بعودة الشمل، ماهى الا صيحة الانسان الذى اعتقد بانه حين يتبرأ من ذنوبه ويذهب الى بيت الله للحج فقد ضمن النهاية السعيدة، وهى العالم المتخيل لقلب طفل - مهما عبث بالثقاب وأشعل النيران ، فهناك دفء الام فى الانتظار- هذا وجهه الناطق الرسمي باسم الرواية.
والرواية أقامها ذلك الطفل، بل هي صداه، والصدى ترجيع لا ينتهي بين اسطر الرواية وصفحاتها.
والراوي كما قلنا لسان ذلك الطفل السذاج البرئ العائد دائما لحضن أمه برغم الحرائق التى اشعلها فى أعماق هذا الحضن ، لكن تلمح فى عينيه ألسنة لهب هذا الحرائق التى طالت كل شئ حتى طالته هو، ونتسأل ألم تعطه هذه الحرائق اليقين ونشوة الانتصار؟
ما لم يقله الراوي، تحرر عندما كان هذا الحضن يتألم ويعانى من وطيس الحرائق صامتا.
البطل واحد، مفرد بصيغة المثنى، أو مثنى بصيغة المفرد، وجهه واحد يتناسل في زمن ازداوجية القرية والمدينة.
وماذا تطلب القرية؟
إنها لا تطلب مسرودة “الأكلة الشهية بل تطلب مسرودة “الانسانة ، الخالة مسرودة”.
وماذا تطلب المدينة؟
إنها تبغى مسرودة”الأكلة الشهية” وتلفظ مسرودة المرأة التى خرجت من عباءة الريف وطبيعته ولهجته، بل والعلقم تبغيها المدينة عشيقة للاشباع الجنسى فقط، كنزوة مؤقتة أو مستمرة (فى زى سيدة أعمال) لرجل المدينة. الثرى الذى سعى لمشاركتها العمل، أو للذى سعت هى للزواج منه.
ويبقى القول بإن رواية “مسرودة” تدحرجت إلى العبث والعدمية ثم اليقين.
فما أشبه هذه الحكاية بنا!
من هي مسرودة؟ إنها الدنيا.
من هو عبد العزيز السيد عبد العزيز القط؟ إنه الانسان.
من هي “القرية - المدينة”؟ إنها هذه الازدواجية التي تسمى: الوطن.
وماذا منحت لنا الحكاية؟
………!
لن أكون ديكتاتور مستبد كـ “رباب كساب” وأسيطر عليكم، لذا أترك اجابة هذا السؤال لكم لتعملوا خيالكم.!!!

الكاتب المصرى
مح . ط

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “محمد طلعت يكتب عن مسرودة”

  1. http://ahmedhiqal.maktoobblog.com/

    اتشرف بتوصلكم
    وتعليقتكم

    خلاص نسيتى صورتي
    وبقيتي كارهة سيرتى
    معقولة خلاص قدرتي
    تهدمي الحب اللي بينا

  2. شكرا لك يا أستاذ أحمد

    أسعدني مرورك

    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر