في بحر الحكي سقطت وسقطت كل أوراقي فلم أعرف غير القص طريقا لأنسج كل رواياتي


روايتي الثانية مسرودة في معرض الكتاب الاسكندرية

مارس 1st, 2009 كتبها رباب كساب نشر في , رواية, غير مصنف

صفحات من الرواية

في حياتي الطويلة التي لم أعد أحصي عدد أيامها ، وسنواتها لم أبرح قريتنا قط إلا حينما دخلت الجيش ؛ عدت لقريتي بعد سنوات التجنيد ، لسابق عهد حياتي بها ، رجعت لأمي ، وأخواتي البنات اللاتي أكبرهن ، عدت لخالتي حبيبتي التي أكبرها بخمسة أشهر فقط فكانت كأختي ، خرجت للدنيا لتكون هي صحبتي كنا كتوأمٍ لا ننفصل ، يجمعنا ذات المكان ، ونفس الطباع ما أحبه تحبه ، ما أكرهه تكرهه نرتاد نفس الأماكن ، نسمع نفس الأغنيات ، أنا وخالتي مسرودة واحد .

كثيراً ما كنا نختفي من أخواتي وأصدقائنا ، ويبحث الجميع عنا فلا يجدنا ، لكن إن سأل أحد أمي فلن يضل فهي الوحيدة التي تعلم أين نذهب وإلى أي مكان نقصد .

حتى بعد أن كبرت ، وبعدت خالتي عن المكان لازلت أقصد نفس المكان حيث أرضنا في حوض داير الناحية ، وبالتحديد عند الساقية القديمة ، وشجرة التوت العتيقة ، والجميزة العجوز يكون مرتعي ، مكاني ، وسلواي .

حينما كنت وخالتي أطفالا اعتدت التعلق بالثور المغماة عينيه وهو يدور معلقا بالناعورة التي أستعذب نعيرها وهي تروي أرضنا القريبة منها قبل أن نعرف الموتورات ، وماكينات الري .

هناك لعبنا ولهونا وفي برمودة تجدنا والتوت على موعد ، تتحول فروع الشجرة الكبيرة إلى مخدعي ، أصعد إليها آكل ثمارها ، أهز فروعها فتتساقط الثمار لمسرودة ، والبنات ، وأصدقائي ، وإن كانت تشاركني الصعود أحيانا خالتي الجريئة ، لكنها ليست أسرع مني في تسلق الشجرة ، كنت متفردًا في ذلك ؛ لا أحد حافظا لحالِ فروعها مثلي ، أُحس الفرع قبل أنْ تطأه قدمي ،أستند إليه وفي أقل من الثانية أكون قد قررت أأبقى عليه أم لا .

في موسم دراس القمح كنت أجدها مهربي ، أختفي بين الفروع ، والأوراق الكثيفة هربًا من قسوة الشمس ، والعمل معًا ، وإن كانت شمس الماضي أحن علينا من شمس هذه الأيام التي فقدنا مع قسوتها معظم شهور السنة معرفة في أي الفصول نحن.

علمونا أن مناخ جمهورية مصر العربية حار جاف صيفا دافئ ممطر شتاء ، لكنه الآن لم يعد لا هذا ، ولا ذاك ، ففصل الصيف صار أغلب شهور السنة لا تحس الربيع ، والخريف قط ، أما الشتاء فصار بردا قارصا كما لو كنا في أوروبا لم يعد  تجدي معه الجدران الأسمنتية ولا البطاطين السميكة ذات الوجهين ، أذكر في الماضي أني كنت أبيت ليلتي الباردة فوق الفرن المشتعل طوال اليوم فأتدفأ بحره الجميل فلا أحس ببرد ، ولا بنخر في عظامي ، هذا الفرن الذي كانت أمي تحرص عليه وتحافظ عليه وإذا حدث وانهار جزء منه سارعت ببنائه بنفسها ، وعلى سطح دارنا كانت تخزن الأحطاب حطب الذرة وحطب القطن اللذين يستخدمان في إحماء نار الفرن، رحمه الله كان يُخرج لنا أطيب الطعام وأشهاه فلم تعرف أمي فرن الغاز هذا المعدن الذي لا يعرف كيف يحس الطعام داخله ، فتجده يخرج منه غريباً كما دخله ، وكأن فرننا البلدي كان يأنس للطعام الذي يشابه مكوناته فيحسه منه قريبا يتفاعل معه ، يعطيه و

المزيد