شقة الحرية
كانت تلك هي المرة الأولى التي اصطدم فيها وهذا الكاتب الرائع غازي عبد الرحمن القصيبي هذا الرجل الذي يشغل حاليا منصب وزير العمل السعودي ولكني لن أتكلم عن مناصبه العديدة ولا عن عمله كوزير للصحة والكهرباء والعمل حاليا أو غيرها كعمادة كلية التجارة أو كعمله كسفير في فترة خلافه مع الملك فهد رحمه الله لكني سأتكلم هنا عن أديب يعتبر صاحب قلم من الروعة بحيث لا تغفل عنه أو تمر عليه دون أن تتوقف .
كانت صديقتي قد أعطتني رواية شقة الحرية مصطحبة بوابل من الإعجاب اللامتناهي بأسلوب هذا الكاتب وبالقصة ، ولا أنكر أنني أعتز برأيها وعقلها الواعي القارئ فأخذتها ممنية نفسي بوجبة هنيئة من المتعة مع تلك الرواية ولكني حين قرأت وغصت في هذه الرواية ، وجدتني أصرخ بأعلى الصوت ما أروعك ! ما أجملك ! لم يحدث في هذا التأثير منذ قراءتي لرواية أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد ، حقا لم يكن لتلك الرواية ذات التأثير فأحلام اخرجت مني أشياء وأشياء وجعلتني أخط على الصفحات سيلا متدفقا من الكلمات ، ولكن غازي فتح عيوني على كثير من الأشياء والمعلومات ووضعني أمام مجتمع رغم أني من أبنائه إلا أنه كان تائها .
فحين تكون غريبا ترى ما تعجز عن رؤيته وأنت في قلب الحدث .
ومن ضمن المفارقات بعد إنتهائي من الرواية سألت صديقتي : إنتي متأكده إن الراجل دا سعودي ؟
قالت على الفور : آه .
قلت : دا يا بنتي مصري أصيل من شبرا البلد .
ضحكت وقهقهت وقالت : لا وإنتي الصادقة دا من شبرا المحطة .
غازي القصيبي كتب عن مصر وبلهجة أهل مصر كواحد من أبنائها فشعرنا أنه من أكثر المناطق شعبية .
*******
تبدأ رواية شقة الحرية باستعراض جميل لأبطال الرواية الأربعة ، شباب بحريني يملأه الحلم وحب الحياة والرغبة في التعلم ، يرقبون القاهرة وعيونهم تتطلع للحرية والحياة الرحيبة والنيل والسينما وكل ما كان يملأ القاهرة في الفترة من 1956 وحتى 1961 وهي الفترة التي دارت فيها أحداث الرواية محملين بحلم القومية العربية متطلعين للوحدة على يد الزعيم الأوحد من وجهة نظر بعضهم ( جمال عبد الناصر ) وكان على رأس المتحمسين بطل الرواية الشاب فؤاد الطارف الذي جاء يسعى بكل أمل لدراسة الحقوق وتحقيق الحلم الأكبر في الوحدة والقومية العربية .
يتعجبون أن الناس في مصر لا تعرف البحرين الصغيرة ، سائق التاكسي ظن أنها في الحجاز وحمل حلم الحج وقرب بيت الله الحرام إلى بطل الرواية وهو يقول له ادع لي هناك أن أنال الحج يوما ، وعبثا حاول إفهامه أن البحرين ليست بالحجاز .
فؤاد الطارف فتى في السادسة عشرة من عمره يمتلك والده متجرا لبيع المجوهرات في البحرين واللؤلؤ الذي يتحدث عن ماضي الغوص البعيد قبل البترول ، يعتبر من أصحاب الحياة المتوسطة ، يليه قاسم ابن التاجر الغني المتخم بثقافة الرأسمالية ويعرف أنه لا شيء بلا نقود أو بالبحريني البيزات ولا أجمل من ( البنيات والبيزات ) لذا فقد قدم القاهرة لدراسة التجارة .
عبد الكريم الشيخ ابن زعيم الشيعة البحرينيين والذي تربى بطريقة معينة فهو ابن الشيخ المتدين أغلقته الثقافة الدينية وما زرعه أبوه بداخله من رهبة فكان متشوقا للحياة والحرية رغم ما يملأ نفسه من جبن ، جاء مصر قاصدا دراسة الحقوق .
يعقوب الحدي الفقير بالنسبة لهم والمتطلع لدراسة الأدب في أداب القاهرة والحالم بحلم التجربة والاكتشاف .
يدرس الطلبة الأربعة في مدرسة السعيدية الثانوية يحصلون على التوجيهية ( الثانوية العامة ) ثم يلتحقون بالجامعة .
يشرف عليهم وعلى تسكينهم ومتابعتهم الأستاذ شريف المصري الذي عمل بالبحرين وقد عرفه والد فؤاد فأوصاه عليه .
فشعر الطلبة الأربعة الشباب بأنهم يفقدون حريتهم ولن يتحقق لهم ما أرادوا من حرية وهم تحت طائلة الأستاذ شريف .
فقرروا أن يهربوا بأنفسهم وبما جاءوا ينشدونه من حرية إنهم يريدون القاهرة التي نقلتها إليهم السينما وصوت العرب والتي إلى الآن لم يروا منها شيئا .
احتالوا على الأستاذ شريف للانتقال من السكن الذي اختاره لهم ليسكنوا بشقة انتقوها بعناية وبمباركته وكان لهم ما أرادوا .
لتكون شقة الحرية التي انتقوا لها اسمها ووضعوا لها دستورا للحياة بها وعاشوا تحت سقفها في سعادة لا توصف .
هم والسياسة :
الأبطال الأربعة كل واحد فيهم بداخله ثقافة تعبر عنه ، فؤاد يؤمن بجمال عبد الناصر بشكل يفوق الحدود ويتعجب أن بعض الكبار في مصر يرفضون سياسته ، مصر صوت العرب وما تبثه مما يقوي العزيمة ويدفع الروح العربية للأمام .
مصر جمال ، مصر التأميم ، مصر الحلم في الوحدة والقومية العربية .
( قرار من رئيس الجمهورية بتأميم شركة قناة السويس العالمية ، شركة مساهمة مصرية )
تأميم قناة السويس ، وجماهير تهتف بحياة شخص واحد ، العدوان الثلاثي .
زعامة تفرض نفسها والكل يعدو خلفها يرى فيها نجاة من كل شيء وأملا في التخلص من الاستعمار بكل صوره .
يدخل حياة الشباب الصغار أصدقاء جدد ، عبد الرؤوف الشاب المصري الفقير الذي يعيش بأربعة جنيهات فقط لاغير في حين يرسل والد فؤاد خمسة وعشرون جنيهات هذا غير ما ترسله الأم سرا مع أي مسافر ، وكذا عبد الكريم أما قاسم كان قد أخذ من أبيه خمسمائة جنيه متى تنتهي يطلب غيرها .
قارن فؤاد حاله بحال صديقه الفقير وشعر بأنه يعيش ملكا وهناك من لا يجد شيئا لم يكن يعد بالبحرين من الأغنياء وإنما من متوسطي الحال .
جمعت فؤاد بعبد الرؤوف الموهبة ، كتابة القصص كانت شغلهم وامتلأت الرواية بقصص الشابين الصغيرين ، فؤاد نشرت له صحف البحرين العديد من القصص بينما عبد الرؤوف لم يعرفه أحد إلا حينما اشترك وفؤاد بإحدى المسابقات القصصية وفاز بالمركز الثاني وتبعه فؤاد بمركزين ، ساعدهم













