في بحر الحكي سقطت وسقطت كل أوراقي فلم أعرف غير القص طريقا لأنسج كل رواياتي


ابنتي

يونيو 23rd, 2009 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

ابنتي

 

 

 

أدرت ظهري عنها ، وخرجت من بابٍ لم أعد له مرة أخرى ، كنت أعرف أني وهي لن نتفق أبداً ، تلك التي منطقها الحياة الحب .

ساعات من الانتظار حملتني إلى آفاق غريبة بعيدة ، هناك التقيت بالمجهول المنتظر ، وقابلتها ، ألقت بها الصدفة في طريقي ، لا أدري لماذا ؟

نظرت لي بذات النظرة المعبرة قاصدة حوارا لم يكتمل ، لم تبادر هي بالكلام ، وجهت لها سهام نظراتي الصامتة وقد عادت كلماتها في لقائنا الأول ترن بأذني : الحياة الحب .

ما كانت تدري أنه قدم لي الكأس التي أفرغتها في جوفي العطش لهبا أحرقه .

كانت روايتي ناقوس هزت دقاته كل ثوابتها ، أخذتني في لحظة بكائية على صدرها ، ربتت على كتفي كما لو كانت أمي .

أمي !! نسيت تلك الكلمة مع غيرها من الكلمات التي شطبتها من قاموس حياتي ووجودي .

استيقظت قبل سنين وأنا لست أنا ، تَرَكْتَنيِ في وادٍ بعيدٍ تتفرق فيه الأمنيات كنباتات الصبار في قلب الصحراء ، بين الحين والآخر أحن لصدرها الذي حرمتني منه ، كانت هناك دائما أولويات كنت آخرها .

الأيام تمر باردة ، من شاطئ لآخر تقذف بي ، وما من شاطئ يحمل لي لحظة فرح .

يوم خرجت من أحشائي امرأة أخرى انضمت لطابور النساء لم أكن أعلم أني ارتكبت جرما حين وضعتها أنثى .

المزيد


ما سطرت حلمه

مايو 1st, 2009 كتبها رباب كساب نشر في , غير مصنف, قصة قصيرة

ما سطرت حلمه

تمطى الظلام ماردا استيقظ لتوه من نومٍ طويل ، من خلف زجاج نافذته …..أمطار …..هواء بارد ….. أقدام تتسابق لتحتمي أسفل شرفات خلت من أصحابها .

اقتربت منه … ربتت على كتفه …. التفت إليها حملق في وجهها كأنه يراها للمرة الأولى … ابتسمت … لم يبادلها الابتسام .

 

عاد ليراقب المشهد من نافذته ناظرا للشارع المبتل … يشارك الهاربين من غضب الطبيعة هربهم ، سارت يدها على وجهه …. نقلت إليه برودتها … أزاحها عنه .

عاد لوقفته ، سبح عقله بعيدا … رحلة طويلة خاضها أصر فيها على التواجد ….. كتب سطور كثيرة … ملأ صفحات وصفحات ؛ على كتف الغد سال دمعه مدرارا ، إلى جوار عينيه انزوت السنين تجاعيد .

طفل كان … طائرته الورقية ما حملته وما سطرت حلمه .

 

 

 

المزيد


غياب

أبريل 21st, 2009 كتبها رباب كساب نشر في , غير مصنف, قصة قصيرة

غيـــــــــــاب

جلست أنتظره …. جاءني صوته من خلفي يفتقر دفئه ….. التفت ….. مددت يدي التقطها يبادلني التحية … جلس … الصمت يخيم علينا …. سكنت الدهشة حضن ملامحي حين تحدث ….. لقد غابت ملامحه …. فركت عيني …نظرت حولي …… كل الناس ملامحها واضحة … التفت إليه ثانية …. لم أر

المزيد


حظك اليوم

مارس 20th, 2009 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

حظك اليوم

 لم أعتبر دخوله حياتي لحظة فاصلة ، على الرغم من أني لم أشك لحظة واحدة في أنه قد بدل كل شيء ، وأنه أعادني سيرتي الأولى .
 
كانت تلك بداية روايتها الجديدة وقد أشعلت فكرها بسطوة وجوده في حياتها .
طالعتها صحف الصباح بخبر غريب وآخر مقيت ، وصراعات لا تكف نشرات الأخبار عن نقلها حية .
تفر الصحيفة بيدها في روتينية معتادة ، صحبتها عينيها وهي تبحث عن عمودها المفضل صاحب الكلمات التي تصيب هدفها في الصميم ( نصف كلمة ) إلى حظها الكائن بيمين الصفحة .
( سوف تسمع اليوم خبر يصيبك بالدهشة ) .
لم تكن تعبأ بالأبراج وبفحواها فهي تعرف كيف يكتبونها ، وتعلم أيضا أنها تتكرر كأنها متوالية .
في ذلك اليوم استطاع طالعها أن يرسم بسمة تعجب على وجهها ، فأي من الأخبار يمكنه أن يرسم الدهشة على وجه اعتاد كل شيء ، وعلى نفس صارت اللامبالاة أسلوبها في الحياة .
خرجت لصحيفتها حيث تعمل ، معها المقال الذي سهرت تعده حتى الصباح ، سلمته وجلست تواصل ترجمة ما يصلها من مقالات فرنسية وما تبثه وكالات الأنباء .
الوقت يمر وهي لا تشعر ، لم يجعلها شيء ترفع عينيها عن الأوراق إلا آلام ظهرها المتسربة في بطء حتى وصلت رأسها .
قامت تفرد جسدها فإذا بها وحدها في المكان ، كيف استغرقت في العمل حتى اختفى الجميع من حولها دون أن تشعر ؟
كيف لم تسمع رنين الهاتف في المكتب وهو أبدا لا يكف ؟ أين كانت ؟
كيف انفصلت عن كل شيء ؟
ساعتها تشير إلى الرابعة والنصف ، لها أكثر من خمس ساعات بالمكان .
خرجت لتستطلع الأمر ، جميع المكاتب خاوية ، أين ذهبوا ؟
أمسكت هاتفها فوجدته قد توقف عن العمل .
كل شيء أصابه السكون .
ماذا حدث ؟
الأسئلة لا تكف ، الأسئلة بلا إجابات ، نار بلا ماء يطفئها  .
تسرب الخوف لنفسها ، حملت حقيبتها وعدت نحو الباب ، كل الأبواب مغلقة ما

المزيد


ذات مساء

يناير 21st, 2009 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

ذات مساء

 caec0d

تسللت رائحة القهوة إليّ فأرسل عبقها لعقلي إشارات نبهته ، كما نبهت حواسي لتلك المتعة المنتظرة حين تتلامس رشفات القهوة وفمي .

تلك المرة فشلت في الحصول على البُن الذي أحبه ، تكاسلت كالعادة فأحضروا لي ما وجدوه فما كان مني إلا أن نطقت بعبارات الشكر غير شاكرة .

وحدي في شرفتي ، وفنجان قهوتي ، وذلك الكتاب الذي انتقيته من بين عشرات ينتظرون دورهم في القراءة .

لم تتبدد حالة السأم ، ولم تنعشني قهوتي .

رنوت  ببصري بعيدا حيث السماء الفسيحة ، لازال قرص الشمس يشغلها ، أحمره البرتقالي ينذر بأفوله ، لكني أتعلق بنورها .

يعشقون سكون الليل ، وأهوى صخب النهار .

استمرت مناجاتي للشمس حتى غربت في خلفية للوحة باهرة الحسن ، ناطقة أركانها بالجمال ، تصاحبها موسيقى تنطلق من كل شيء ، موسيقى الطبيعة الساحرة .

رنّ جرس الهاتف ، أيقظني لأُخرج كياني من تلك اللوحة التي كنت جزءاً رئيسيا منها .

استمعت لمحدثي ، كانت أختي ، اختارت هذا الوقت لتثرثر ، تركتها تثرثر وتباينت ردودي عليها بين آه ، أيوة ، فعلا ، كان لازم ………

دون أن أزيد ، أو أفتح أية موضوعات ، كانت بي رغبة للحاق بلوحتي ، واحتلال مكاني قبل أن يشغله غيري .

عقد النجوم التي أظهرها الظلام كان تاجا في مفرق شعري ، أغلقت الهاتف لأعدو نحو الشرفة استحضر ما فاتني ، وأتواصل من جديد .

تنادي عليّ واحدة من الجارات التفت إليها ، طلبت مني أن ألملم غسيلي حتى يتثنى لها نشر غسيلها ، تنشر أو لا تنشر ، ماذا يفعل إذن مجفف غسالتها ؟!!

قلت لها : حاضر .

عدت حيث تركتني .

نور المصباح المتراقص على صفحات الكتاب زادها صفرة وزادني ابتعادا ، لم يكن كشمسي يضيء نورها كل شيء حتى الصفحات المصفرة .

عادت الجارة تنادي ، في تلك المرة كانت تستأذني لتجلس معي قليلا .

أعلم أن جلساتها غير قصيرة ، فهي تطول ، وتطول ولا ينهيها إلا رؤيتها لزوجها من الشرفة

المزيد


الضالة

أغسطس 15th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

الضالة

8

انشقت عنها السماء فجأة فكانت نجمة في ليل حالك الظلمة ، شملته نظرتها بعطف لم يكن قد عرفه قبلا ، لكنه لم يستطع أن يُطيل النظر إليها ، التفت …. ومضى .

لحقت به جذبته ليواجه عينيها العطوفتين ، أدار ناظريه عنها ، شعرت بالإهانة ، وبرغم عنها تساءلت دون أن تنطق .

فهم سؤالها ، لم يجب ، استدار ليواصل طريقه .

تعالت أصوات الغضب النافذ لأعماقها  فضحكت ضحكة عالية وصله صوتها الذي كان كسوط يجلده .

-        ما كان لها أن تضحك ، ما كان لها أن تضحك .

كرر الجملة في غضب وقال في نفسه : تسخر مني أنا من صنعتها ؟!!!!!!

وبعجلة غضبه استدار لها فوجهت سهام عينيها إليه بكل ما تملك من قوة وإغراء ، لكنه لم يعد ذلك الغض الذي تقهره نظراتها ولا خيلائها ، سار نحوها ، فاجأها ثباته ، اهتزت دون أن تفصح حتى لا يظهر ضعفها .

المزيد


عودة سعاد

يوليو 17th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

عودة سعاد

أتت إلى منزلنا غير جاهلة بما سوف تلقاه من تقريع ، وتقريظ من لسان لا يرحم غيرها حتى يرحمها هي .

عادت مضطرة بعد أن خرجت مطرودة بجرم لا يستحق سوى بعض لوم .

كانت قد اعتادت المجيء إلينا ، كما اعتادت أيضا لسان أمي الذي لا يرحم أبدا ، الجميع يتلاشى أمي حتى لا تصيبه طلقات مدفعها الرشاش ، حتى أبي ، تعلم ألا ينطق أمامها حتى لا ينتهي الأمر بطلاق جديد ، بات يمسك لسانه فلا تجبره الظروف على طلاق ثالث وقطيعة للأبد .

مرات كثيرة كنت أتمنى لو يفعلها ، ويريحنا جميعا .

وكم ابتلعت من إهانات وجهتها لي أمام غرباء ، أو أحد من أصدقائي .

تعلمت الصمت مثل أبي ، وما عدت ألومه رغم أنه الحر الوحيد فينا ، ولكن كيف يكون حرا ونحن برقبته ؟

النقاش في أي موضوع معها تكاد تكون نهايته إما أن تقذفني بأقرب ما لديها ، ودائما ما يكون نعلها الذي تصادق وأجزاء كثيرة من جسمي ،فهو أرحم من كوب الشاي الذي أُجبرت على تنظيف ما نتج عن إلقائه في وجهي ، أو أن تلقى سخرية لاذعة يمتد مفعولها لأسبوع وأكثر . 

جاءت المسكينة تجر أذيال الخيبة متحاملة على نفسها ، أذلتها الحاجة لأمي ، فعادت .

رغم أن هناك أزمة في توفر خادمات إلا أنه أيضا هناك أزمة طاحنة في ميزانية كثير من الأسر التي لا تتحمل أجر خادمة ، حتى لو كانت تأتي للتنظيف مرة كل أسبوع .

جاءت سعاد لمنزلنا منكسة الرأس تستحلف أمي أن تعود لخدمتها مرة أخرى .

رغم شكواها كل يوم من أنها لا تجد بديلا لها ، تدللت وتمنعت ثم وافقت في النهاية بعد أن تمتعت بإذلال سعاد ، أعمال البيت أرهقتها ، وخاصة أنَّ أختي طالبة الطب نكاد لا نرها في ا

المزيد


سر الورقة

يونيو 27th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

سر الورقة

ليلة مطيرة لم تمنعها من الخروج إلى عملها ، لكنها لم تكن بطبيعتها ، كانت دائما تحمل وجها بشوشا تُطل به على العالم كستار تخفي وراءه كل ما تحمل وما تُلقي إليها به الدنيا .

ابتسامتها في وجه مرضاها كانت تعتبرها نوعا من العلاج تحرص على تقديمه دائما .

أما اليوم كل من يراها يتعجب ، أين بشاشة الوجه ؟ أين ضحكة سنها الجميلة التي تكشف عن لؤلؤ صاف ؟!!

وجهها العابس أعطى الممرضات فرصة للهمس عليها ، وللمرضى بالسؤال ، لكنها لا تجيب أحدا ، ولا ترد على أي استفسار فهي كالغائبة ، تؤدي عملها بطريقة آلية معتادة .

زملاؤها من الأطباء يعرفون أنَّ هناك الكثير من المشكلات في حياتها ؛ لكنها أبدا لم تتوقف أمامها كانت تقابلها بسخرية لاذعة ، وقوة لا تمكنهم من الإشفاق عليها لحظة واحدة . 

رنَّ هاتفها الجوال ردت على محدثها بكلمات مقتضبة لا تفصح عن شيء ، لكن وجهها يحمل الكثير من الهَمْ .

تسرب خبر تجهمها بين الجميع ، التردد حالة أصابتهم جميعا رغم السؤال المُلح ماذا حدث للدكتورة يُمنى ؟ لكن لم يجرؤ أحد على تخطي الحاجز الذي بنته في كل سنواتها الماضية .

دخلت حجرتها ، أمسكت بأحد المراجع الطبية وجلست تقرأ ــ تظاهرت بالقراءة ، ذهنها كان بعيدا

المزيد


بين قوسين

مايو 29th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

بين قوسينletter

 

لم أكن والشتاء على علاقة وثيقة ولكن الحكاية بدأت مع أوائل شتاء هذا العام ، حين التقيته لأول مرة .

في ذلك اليوم كنت قد التحفت الانتظار كعادتي أشق طريقي بين الناس لأواصله غير متعبة فقد اعتدته .

جاءت جلسته بجواري على مقعد خشبي بجوار الكورنيش نطالع النيل وأحصي الدقائق في انتظارها ، كالعادة تأتي متأخرة وكعادتي أصل في موعدي .

لم تكن السماء صافية ولكنها لم تنذر بمطر ، شعرت بوخز الكلمات المتناثرة في عقلي ، حاولت أن أتناسها متعمدة فلقد باغتتني فجأة ولم أكن مستعدة لها .

كان يرمقني بطرف عينيه ويشاهد تململي كما ألحظ الكلمات الحيرى التي تتراقص على شفتيه وتأبى الخروج .

فتحت حقيبتي أبحث فيها عن ورقة وقلم ، أخرجتهما وشرعت أرتب الكلمات المبعثرة .

سطرت كلاما بدا لي كما لو كان لعبة الكلمات أو الجمل الغير مرتبة وعلى من يريد خوض اللعبة أن يرتب الجمل وأن يحصل على قطعة تحمل معنى مفيد .

 

الفضول يلعب به ، يتراقص السؤال داخله أعلم ذلك ، نقلت لي يده المتوترة انفعالاته وأنا أجلس إلى جواره ، أواصل مشاهدة النهر الهادئ ، وأرقب الساعة التي تتحرك ببطء يلذعني .

رأيتها من بعيد تأتي مهرولة فلقد تأخرت كثيرا عن موعدها .

تنفست أخيرا بهدوء ، مجيئها سيريحني من فضول عينيه وأسئلته الكثيرة التي باغتني بها وجوده وألمحها كلما أدرت عيني ناحيته .

أخذتها في حضني تبادلنا التحية والقبلات قبل أن تستقر إلى جواري تلتقط أنفاسها .

لمحت بيدي الورقة جذبتها من يدي دون استئذان وقرأت ، نظرت لي ثم له وضحكت .

أثارت فيّ ضحكتها رغبة عارمة في مشاركتها لكني آثرت الابتسام .

وقفت مسددة نظري إليها وإليه ، وجدته يقف ويحدج بي بنظراته التي فشلت في تفسير حقيقتها هل هي نظرات وله ، أم اشتهاء ، كانت باردة ولكنها جذابة ، أثارت فضولي ونهمي لمعرفته .

تفعل بنا الصدفة الكثير ، وأجمل الصدف تلك التي تحمل بداخلها مفاجأة الـ …. .

امتدت يده إلى جيبه في رفق وحذر خمنت أنه سيخرج ورقة ويكتب اسمه ورقم تليفونه ويعطيني إياها ويمضي .

يالي من مغفلة ! لازلت أحيا في زمن الأبيض والأسود ، هل لازالت الناس تتعارف بتلك الطريقة البدائية ؟

إنه الاقتحام لا غير ، لو لم يقتحم فجأة ويأخذ موقع المهاجم وأتحول أنا للدفاع مسرعة ، أحتمي خلف درع الأخلاق والعادات والتقاليد ـ مرة أخرى مغفلة - ، ما رضيت بمعرفته .

لازالت يده اليمنى داخل جيبه الداخلي الأيسر جوار القلب تماما وكأنها سكنت بداخله ، بطيئة تلك الثواني .

حسبتها ساعة .

صديقتي شردت مني في النظر للمارة ، ولموجات النيل الهادئة ، وللحظات العشق المختلسة من حولنا ، ذلك العناق المستتر في عيني كل عاشق من حولنا يُترجم داخلي لنشرة أخبار شديدة القتامة.

أزمة إسكان طاحنة ، أسعار مجنونة ، بطالة ، زحام ، فقر ، كفر ، تشدد ، بلطجة ……..

قائمة من الأخبار الـــ ……..

خرجت يده بمنديل مرره على وجهه ، لم يكن الجو حارا ولكنه كان غارقا في عرقه .

 

دنا مني وسط دهشة رأيتها في عينيّ صاحبتي وتوقع مني لتلك الحركة المباغتة ، قال : أنا……

    - ليس مهما الاسم ــ هكذا فاجأته ــ المهم أنه أنت .

-         فعلا .

سرقتني اللحظة ضحكة صديقتي ، لكن صوته قطع ضحكتها وهو يقول : أعرفك منذ أعوام ، حين رأيتك لم أكن أصدق أنها أنت ، حتى وجدتك تنظرين لي بنفس نظرة المعرفة ذاتها .

-         فعلا ، أنا أعرفك منذ أعوام .

قالت صديقتي : ولكني لا أعرفكما .

ضحكنا

سرنا طويلا وهي معنا ، لم نتحدث بقدر ما تحدثت عيوننا ، حملني فوق وجودي ووجوده إلى عالم من الخيال ــ يربطني الرجل دائما بالخيال ــ  اخترق حاجز صمتي وعزلتي .

كان لابد أن أتركه مودعة ، مددت يدي أصافحه ، باتت يدي الصغيرة في كفه مركب شراعي في بحر هائج .

لم يعرف اسمي ولم أعرف اسمه فقط كنا على موعد يومي دون أن نتشارك المعرفة العادية لكل الناس .

  ماذا تعني الأسماء إذا تعارفت القلوب ؟!!!

في نفس المكان وعلى ذات الكرسي الذي بدا وكأنه يخلو خصيصا لنا في ذاك الموعد ، يجمعنا الزمن ويتوقف بنا عند المصافحة الأولى والابتسامة ولا ندري هل مرَّ بنا أم لا ؟

جمعتنا شتى الموضوعات ، قرأني قبل أن يعرفني ، وصلت له كلماتي ، وجدته يحمل لي ذات لقاء دفترا صغيرا به ملاحظات عديدة ، وتعليقات ودّّ لو كان يعرفني حتى يخبرني بها ، كان لزاما أن نلتقي .

وجدته سباحا ماهرا في بحركلماتي الهائج ، علم ما وراء السطور ، نفذ إلى داخلي ، أكان يشاركني الكتابة ؟!!

أهو شيطان إلهامي ؟

قرر أن يأخذني لمكان لم أذهب إليه من قبل ، أخذني وانطلقنا ، معه لا أسأل عن الساعة ، عن المكان ، عن أي شيء ، فقط أسأل متى سيفارقني ؟

رغم الوله الذي يملأ عينيه لا يكف لسانه عن حديث السياسة وعن الأحوال المتردية هنا وهناك ، وعنا نحن في هذا البلد المهضومين المهدورين الحقوق ، يملك حلولا لكل شيء ولا يمكن أن يتقدم بها إلى أي مخلوق فهو واحد من مُهدري الحقوق !!!!

إزدواجية تلك التي يحياها ، فسرت الآن سر نظراته الزائغة أحايين كثيرة .

 

أمعقول أن تكون تلك اليد الناعمة ، هي يد البطش ، هي من تحيك سرابيل الألم وتحكم غلقها على أجساد كل ما اقترفه أصحابها أنهم قالوا لا في وجه الظلم ؟

-         أوامر وعليّ تنفيذها .

-         وهل بالأمر تتخلى عن كونك إنسان ؟

-         لا تثقلين عليّ حمولي ، معكِ أنسى من أكون .

-         ولكنك هو ذلك الذي تنساه وأنا تائهة بينكما .

-   

المزيد


في ليلة ممطرة

مايو 11th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصة قصيرة

في ليلة ممطرةbooks

 

الأفكار تتوالى تترى ، ينظر للورق أمامه في ازدراء ، يكسر القلم .

يخرج من كتب التاريخ المتناثرة حوله واحد من أبطال مصر القدامى ، واحد من هؤلاء الذين صنعوا التاريخ ، طل عليه غاضبا ثائرا ثورة مقاتل يعرف كيف يهزمه سلاح مكسور .

ينظر له في لامبالاة ويمزق الورق ناثرا أشلاءه في كل أرجاء الحجرة ، إلا أن الفِكَرْ لا تكف عن متابعته ، تخرج من خباء عقله الرافض لكل شيء ، لكنه ما عاد يحس جدوى الكلام .

يصرخ البطل أحمس هاتفا : الفكر سلاحك ، والجندي لا يترك سلاحه .

تعلو ضحكته الساخرة فيحس أحمس الإهانة وخنجر السخرية الذي طعن به تاريخه يمزق قلبه .

الأمطار تضرب زجاج النافذة بعنف ، ينظر له أحمس في إشفاق ويقول : السماء عليك غاضبة .

يبصق على كل شيء وعلى كل الكتب الملقاة بلا عناية كأن أحداً بقر بطن مكتبته وألقاها خارجها .

إلا أنَّ أحمس القائد المثابر ما كان له أن ينسحب من المعركة اتخذ منه معركته إما هو أو أن يشطب تاريخه كله ويكفر بكل مقدساته .

يأخذ مفاتيح سيارته ويغلق الباب خلفه بعنف ، ينطلق بالسيارة غير عابئ بتلك الروح المقاتلة التي تزحف من خلف صفحات الماضي خلفه .

الماضي . نعم الماضي حيث كان للفكر وجود وللقلم خلود .

يضحك بصوت عالٍ ، ترمقه عيون أصحاب السيارات المنتظرين معه في الإشارة ، يتعجبون ضحكه منفردا في يوم كهذا وفي وقفة كتلك .

ترى ماذا يضحكه ؟!

الماء المنهمر بشدة يعوقه عن السير رغم أن المسَّاحات الأمامية لا تكف عن العمل ، يفشل في قيادة سيارته في هذا السيل المتدفق ، إلا أنه لم يتوقف وحده لقد وجد السيارة تقف وحدها أمام الجيش العرمرم الذي ظهر أمامه فجأة بجند لا يحصيها بصره ، تلمع سيوفهم تحت أضواء مصابيح الشارع يختفون خلف دروع ضخمة لا يدل عليهم غير ملابسهم الفرعونية القديمة .

يتزعمهم البطل الفار من الصفحات أحمس طارد الهكسوس .

-       ماذا يريد ؟ ألا يكفي ما حقق من انتصارات خلدت اسمه في التاريخ .

صرخ عاليا : ليس هذا زمن الانتصارات ، افهموا .

قال أحمس في ثبات : ها قد عدت لك بجيشي وسنحقق الانتصار .

-       ما عاد جيشك ينفع ، لقد تخاذل كل شيء ودُمر كل شيء .

المزيد


التالي