في بحر الحكي سقطت وسقطت كل أوراقي فلم أعرف غير القص طريقا لأنسج كل رواياتي


موريستان

ديسمبر 10th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصص

موريستان

ارتفع صوت زهر الطاولة و( القواشيط ) وعلا أوار اللعبة معانقا صوت خالتي وقد تملكتها قدرتها التنجيمية وهي تمسك بفنجان قهوة أمي تقلبه بين يديها .

جالت عيني بين أبي وزوج خالتي المتحاربان على صفحة الطاولة ، وأمي وأختها اللتان اندمجتا في معرفة الغيب من جدر فنجان القهوة .

طلبات الجميع لا تنتهي بين قهوة وشاي ومشروبات غازية  وأنا وحدي في الخدمة  .

أختي وابنة خالتي أخذتا من المرآة ملاذا ليجربا وجهيهما بآخر صيحات المساحيق .

نادتني إحداهما قائلة : تفتكري مكياج إليسا لسة موضة ولا نانسي ؟

صرخت الأخرى بقوة غريبة : لا عيون إليسا لسة الموضة ولا إيه ؟

نظرت إليهما وقلت بعد تصنع التفكير : جوليا روبرتس أحسن .

نظرتا إليّ كما لو كنت مجنونة كعادة كل أهلي ، لم يلتفتا إليّ عادتا لتجربة العيون المدخنة ( smoking) أقصد عيني إليسا ، وتجربة شفاه نوال ووجنات عَدَلات…… العدد كبير .

 

-        الفاكهة فين الفاكهة ؟

هكذا صرخت أمي ، تركت ما بيدي وذهبت لأحضر لها ما طلبت ، عدت فوجدت عينيها باكية ، تساءلت قالت خالتي وهي تنظر لي بإشفاق : أبدا يا حبيبتي عينها بس انطرفت .

سمعتها وأنا بالداخل تخبرها وهي لازالت تتأمل الفنجان بعمق متتبعة خطوطه بأن أمر زواجي لازال بعيدا لهذا طفر دمع أمي حزنا عليّ .

ضحك قلبي وواريت ابتسامة كادت تفر مني إشفاقا عليهما ، لكن صوت أبي ارتفع مرة واحدة وهو يغلق جنبي الطاولة بعنف : خلصت العشرة يا جميل .

فاز أبي كالعادة وزوج خالتي يصر على لعب عشرة جديدة ليثبت له قدرته على الفوز لولا أنه يقرص الزهر .

 

اقتربت من شاشة الحاسب ، رسائل عشر جديدة كلها تحمل معنى واحد ( أين أنتِ ؟ )

 

أسفل الشرفة يجلس كعادته أمام محل بقالته مسددا نظره للبيت المقابل علها تمن عليه بنظرة ، ناديته طالبة كيلو سكر ، أدليت له السبت بالنقود وعاجلته بنظرة فهمها على الفور ليلحق بها قبل أن تدخل مرة أخرى ، شكرني بعينيه وعاد يتطلع إليها .

 

-        الشاي عايزين شاي .

عاجلت أبي وزوج خالتي بكوبي الشاي وقد بدآ مباراة جديدة .

 

في الحجرة المجاورة التليفزيون لا تتغير قنواته عن قنوات أغاني الفيديو كليب ، إليسا وشركاها يحتلان بيتنا ما بين مقلديها ومشاهديها .

المزيد


امرأتي الجديدة ( البقية)

يناير 29th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصص

 امرأتي الجديدة ( البقية)

(7)

لم تتخل عنه أبدا رغم كل ما صار يشغلها ، وكم الندوات التي حاصرتها لتحضرها ، صارت ضيفة دائمة في الكثير من الصالونات الأدبية ، والندوات . 

إلا أنها لم تتركه وحده ، كما حاصرها الناس حاصرته ، كانت تعرف أنه وحده سيضيع منها ، من السهل اختطافه وضياعه ، هي تدرك أنها المرفأ الذي ما إن يتركه حتى يرسو على غيره ، كانت تعلمه جيدا وتدرك تماما ، مأساته ، سيضيع جهد الشهور الماضية ، لو لم تظل له ولحياته محتوية .

كان لابد أن تتواجد في كل أيامه ، وأغلب ساعاته ، كثير من السعادة وهبها إياها ، وكثير من الراحة جعلته يحسها .

كم لمحت نظرات الراحة والسعادة في عينيه ، لوهلة صَدَّقت مدى حبه لها ، إلا أنني كنت ألمحه ناقصا ، هاجسي كلما ارتحت له يعود يهاجمني .

لم يعد يصبر ، صار يلح في إتمام الزواج ، على الرغم من رغبتها الملحة للتواجد معه ، كانت تخشى أن تتزوجه .

-         لم أعد أفهمك !

-         لماذا ؟

-         كل هذا العشق ، والرغبة المحمومة داخلك ، وتتمنعين ؟

-         أنا لا أتعجل النهاية .

-         ماذا ؟

-         سيأتي يوما وتعرفين .

لم أفهم شيئا .

تركت الأيام تفهمني .

انشغلت معها في التحضير للزفاف الميمون ، الحيرة ………الترقب ……. الخوف و…………..

مشاعر متضاربة ، اجتاحتها ، رغم مصارحتها بأنها ترغبه ، وتريده ، وبرغم الحب .

هي ككل النساء ، تعود لأمنا حواء تلك الخجلة من المواجهة الأولى ، حين تَكَشّفت العورة ، واشتعلت الرغبة .

زفاف جميل ، وعروسين في أبهى صورهما .

وبيت يغلق دونهما .

وفراش أشعله الحب نارا .

استلقى إلى جوارها يمسح قطرات العرق التي تساقطت من جبهته ، يكابد أنفاسه المتلاحقة وهو يهم بالإمساك بالسيجارة ، معشوقته الأولى ، وإلى جواره هي تبتسم ، نظرت إليه بادلها الابتسام ، ألقت برأسها على كتفه ، ترك سيجارته ، قبَّل رأسها ، احتضنها ثم ذهبا في نوم عميق .

صباحات عشق مستمر على شاطئ الغرام ، أيام معدودات من هذا الزمان اختطفاها ، ليطفئا جذوة الحب الملتهب ، شبق محموم يلفهما ، لا يفيقا من سكرته أبدا .

حين يتوحدا يضيع كل معنى للدنيا كلها ، إلا معنى تلك الحالة التي تجمعهما  .

هناك على شاطئ البحر في استقبال الشروق جلست تكتب وتكتب ، كان نائما يغط في نوم عميق ،أما هي فلقد عرفت كيف هو السهر منذ عرفته ، عوضت كل سنوات النوم الذي مضت بها ،لقد نامت ما يكفيها للعمر القادم وعمرا آخر مضاف عليه .

لا تهرب منه إلا إليه ، كانت تلتقيه على الورق ، خلق حبه بداخلها رغبة للكتابة تفوق أي وقت مضى ، إنها الآن تكتب وهي سعيدة ، من قبل كانت لا تكتب إلا تحت ضغط عصبي ، وألم نفسي ، الآن هي في غنى ، إنَّ وجوده إلى جوارها يمنحها كل يوم شعورا متجددا ، ومعنى جديدا يستحق أن تكتب عنه .

في حضنه وجدت المعنى الحقيقي للأمان ، للراحة  ، عناق شفاههما تسقط معه كل ألوية المستحيل .

باتت الآن المرأة الخارقة .

ما يحزنني ويوجعني ، أني في داخله قد وارتني ، قد حبستني ، وأمام سعادتها ، وما طرأ عليها من جديد آثرت السكوت والانزواء .

عادا من رحلتهما ، نشاطا متجددا ، قلبان مفتوحان على الحياة ، انكب على مكتبه وأمام جهاز حاسبه يعمل ، كان يلتهم الصفحات ، ما عاد يشرب سجائر كثيرة ، استبدلها بقبلاتها ، فناجين القهوة تتابع ، تصنعها بحب .

احتوته حتى بفوضويته ، تلملم خلفه أشياءه ، ملابسه ، أوراقه ، أشعاره المبعثرة هنا وهناك .

ذات مساء استلقى على السرير وهي تلملم بعض ما بعثر ، رمقها بنظرة غريبة ، بدت لها مختلفة رغم أنه يغلفها بابتسامة ودودة .

-         قال لها كأنك أمي .

-         حقا . أنت ابني .

لحظتها وخزتني ، أعلم ذلك الوخز إنه شعور بالخطر ، لكن مم الخطر ؟!! لم يقل شيء ولم يحدث أي شيء .

ألم أقل لم أعد أفهمها .

 

 

(8)

  توهج مشاعرهما ، ساعد على توهج قلميهما ، مقالاته تعددت في صحيفتين ومجلة ، لم يعد يكتب تحت اسم مستعار ، لم يعد خائفا شيء .

الآن وبعد عام من معرفتهما بات اسمه له مكان ومكانة ( يوسف محمد ) ، شهرة جعلته يكتب هنا وهناك ، قبل عام كان صحفيا مجتهدا ، لكنه كان لازال صغيرا يحبو .

هو وهي نقشا اسميهما بقوة ، باتا واضحان بجلاء ، لا يستطيع أحد التنكر لهما ولا تجاهلهما .

الناس من حولها تكاثرت كما النمل ، الغيرة تشتعل في عينيه ، يواريها ، تحسها ، وأحسها ، الناس تحب الحديث في الحب ، عن أحاديث السياسة وقذارتها ، يملك لو أراد الناس من حوله أن يجمعهم ، فقط يفكر في نشر أشعاره الجميلة المفعمة بالجرأة .

إلا أنه يرفض ذلك تماما ، ولولا أنها تلملم قصاصتها خلفه لضاعت ، إنه يتبرأ منه ، من براءته ، من تلك اللحظات التي يكون فيها إنسانا .

قالت له لم تترك فيّ جزء لم تتحدث عنه ، لو نشرته لذابت فيك كل امرأة ، وبات عليِّ أن أغار من كل من تقرأ لك قصيدة ، ستجد كل امرأة نفسها في كلماتك ، في شطحاتك ، في جرأتك وأنت تسير على جسدها برقة لم تعهدها في أقرب الأقربين ، سيغار منك أزواجهن ، وأحبائهن ، ستكون نزارا ثانيا .

كانت و ( هنا ) تسيران في وسط المدينة العامرة الزاخرة ، تتمحور القاهرة في ذلك المكان ، سحره لا ينقضي بعماراته القديمة ومحلاته الكثيرة ، كل شيء فيه ينطق بالحياة ، مرت على محال كثيرة ، كانت تريد طاقما ذو طابع كلاسيكي يصلح لأن تكون به الضيفة الأساسية لندوة مهمة خاصة بكتابها الجديد ، يحضرها نخبة من الأدباء ذائعي الصيت .

منذ أعوام كانت و ( هنا ) تتسكعان في ذات المكان ، يملأهما الأمل في الغد ، يوم أن تصل كلماتهما للناس وأفكارهما يكون لها من يؤمن بها ويرددها ، حَلمتا كثيرا ، وعملتا أكثر ، حتى صار لهما ما أرادتا .

آمنتا بالدنيا فآمنت بهما .

كان مثلهما ذات يوم يقطع و حبيبته ذات المكان وقد تشابكت أيديهما ، يحلمان ، وقد ابتاعا كوبين من الايس كريم ، كانت تأكله في نهم ، بينما هو يرى أيامه تسيل كما يسيل الايس كريم على حواف الكوب ، والغد بعيد عن ناظريه .

كل الأشياء بعيدة ، حتى تلك القبلة التي يختلسها ، ويضعها على وجنتها ،بدت أنها لن يتغير مكانها أبدا ، سيظل عند تلك المرحلة لن يبرحها .

توقفت و ( هنا ) ابتاعا كوبين وقفتا تأكلانه ، طلبت الحليب والفستق ، وطلبت ( هنا ) الفانيليا فقط كما تحب ، قالت لها  : يوسف يحبه بالشيكولاتة دائما بالشيكولاتة  .

سارتا طويلا لم تعجبهما أية ملابس، اشترت طاقم نوم تركوازي اللون ، كانت تعلم مدى حبه لهذا اللون عليها .

ضحكت ( هنا ) .

-         ملعونة الندوات ، ماذا أخذنا منها .  

-         كنا وجوها دائمة في كل ندوة ، عل أحد يرانا ويقرأ ما نكتب .

-         كانت أيام .

عادت . كان في انتظارها ، ولكنه لم يتحدث إليها ، لم يعلق على ما أحضرت معها ، كان يعمل تركته يعمل .

دخلت تجرب طاقم النوم الجديد ، كان رائعا عليها ، خرجت به إليه ، راقه ، لكنه عاد لأوراقه .

هناك شيء ما به قد تغير ، ليس هو ، والغريب أنها لم تغضب منه ، ولم تتعجب تصرفه ، بت في حيرة من أمرهما .

في مساء اليوم التالي كان ضيفا في أحد البرامج الحوارية السياسية حيث يكثر الشجار ، وتتباين الآراء ، ويخرج المرء دون أن يعلم عن ماذا كان هؤلاء القوم يتحدثون ؟!

عاد مثقلا بألم في الرأس ، إنه غير راض عن أي شيء بات يفقد إيمانه بكل شيء ، لولا بقية باقية داخله لفقد إحساسه بقلمه .

في تلك المرة كان عليه أن يتوازن وحده دونها .

هي من قالت لي ذلك .

لم يكن عليها أن تسانده هذه المرة ، إنها لحظة فارقة في حياته ، يجب أن يختار وحده لا تختار هي ، إنه من يجب عليه أن يحدد ماذا يريد ؟

لقد وصل إلى ما أراد ، بجهد وكفاح وعمل ، عليه الآن أن يحدد ، أيكون من يعتلي المناصب ؟ أم سيظل قلما  حر ؟!

كانت تحسه وهو يتململ في فراشه ، يتقلب على جمر أفكاره .

استندت إلى ظهر السرير وقد جفاها النوم لسهده وأرقه .

نادته ، لم يرد .

-         أعرف أنك لم تزل متيقظا ؟

-         ماذا  تريدين ؟

-         أريدك .

-         نامي الآن .

-         لن أنام قبل أن تختار ، ليس الأمر بهذه الصعوبة .

-        

المزيد


امرأتي الجديدة

يناير 29th, 2008 كتبها رباب كساب نشر في , قصص

امرأتي الجديدة

8/9/2007

انطلقت مني الكلمات كسيلٍ لا أعرف سبيلا لإيقافه ، بت أتحدث وأتحدث ، تخليت عن مكر الأنثى ، أردت أن أكون أنا بطبيعتي ، تلك المرأة الطفلة الطيبة القلب التي لأولِ مرة تجرب ذلك الشعور الرائع ، إحساس غريب يتغمدني يشملني وكأني واحدة أخرى لا أعرفها ، امرأة جديدة عَليِّ ؛ ترى الجمال في كل شيء ، امرأة لا تذكر سوى تلك اللحظة التي عرفت فيها معنى الحياة ، والابتسام السعيد ، والفرحة التي تغمر القلب .

لي يومان أستعد للقائه .

تطلعت لوجهي  في المرآة وجدت فتاة غيري  ، لم أكن أعرفها ،وجه أكثر بهاء وإشراق ، عينان لامعتان ، شفاه تكاد تصرخ من توهجها ، لم يعد وجهي باهتا ولم تعد عيوني ذابلة ، لم تعد لامرأتي القديمة أي وجود يذكر .

لم أعرفني .

لا ضير إنْ كنت أتكلم وأبوح بمشاعري لمَ أكتمها وأخفيها انتظارا له حتى ينطق أولا ، ليس مهما أن ينطق المهم أن أنطق أنا للمرة الأولى وأصرخ وأنادي وأقول أنا ………………… أحب .

يا له من شعور ، ويا لها من أحاسيس تلك التي تغمرني حين أسمع صوته ، وحين أنطق باسمه ، وحين أتغنى بأغنية تذكرني به .

( كل الناس حلوين في عينية حلوين طول ما عينية شايفة الدنيا وإنت قصاد عيني ) .

( الله يا ست قولي كمان ، غني لي كمان وكمان ) .

عدت بذاكرتي للوراء رغم أني لا أريد تذكر ما كنت عليه ولكني عدت حتى أراني من قبل ، وما أنا عليه لأعرف النعمة التي آلت لها حياتي .

-  لم يقل أنه يحبك .

- ليس مهما المهم أني أحبه .

أعرف أنه لازال يبكي على أطلالِ ماضٍ ولى ، أليس هو القائل :

يا طفلتي ..

أنت التي ..

علمتِني فنَ الهوى ..

وجعلت ناركِ جنتي

يا حلوتي ..

يا أجمل ما رأت عيناي ..

يا غدي الحلو الفتي

الصبُ تفضحُه عيونُه وأنا ..

كل الجوارحِ تستبيحُ فضيحتي

( الأبيات الشعرية لصديقي الكاتب الصحفي المعتز بالله محمد )

 

أعلم هذا ، لازال يعتبرها غده ، لازالت جوارحه تشتاق لها .

ولكني أعلم أنه سينسى وسيدخل جنتي ، أعلم حتى وإنْ لَمْ يأتْ ؛ كفى ما أحس به لأعيش ملكة متوجة .

-         ملكة بلا مَلك أو حتى مُلك .

-         يكفيني مُلكي الذي بنيته ولو في الخيال .

 

إلا أني أتناسى مُلكي وعرشي فأنا الآن طفلة أحبو في الغرام ، صوت الحبيب يورد وجنتي خجلا ، وأنا الجريئة المقدامة ، أقف في المحافل وأتكلم ولا أخشى أحدا ، فإذا بصوتي الجهوري في حضوره همسا وإذا بالقلب الجريء في حضرته طفلا .

لا أبالغ إن قلت أني أسعد بطفولتي هذه ، وبشخصيتي الجديدة .

فأنا للمرة الأولى لا أجدني مسئولة هذه المرة أنا أسعد الناس بكوني منقادة لا قائدة .

-         الناس قد تأخذ عليك هيامك بمن لا يحسك ولا بك يشعر ، بل ويحب سواك .

-    وما دخل الناس بغرامي ؟ أنا وحدي مَنْ أحمل على عاتقي مسئولية هواي ، وأنا التي تعرف منذ البداية أنه لم يعدني بشيء ، أنا التي وقعت في غرامه .

 

تراهم كانوا معي وأنا أتقلب على جمر وحدتي ، وأنا أرى قلبي الفَتيّ يشيب قبل أوانه ، وأنا أراني أذبل يوما بعد آخر.

كانوا أين و المرار يملأ فمي وغصة حلقي لا تنتهي .

اتركوني اليوم بسعادتي والحمد لله أني لست بملكةٍ حقيقية ، ولست الملك ادوارد الذي تنازل عن عرشه من أجل مسز سبمسون .

أنا ملكة على عرش خيالي ، ورعاياي تحت إمرتي ما آمرهم به يفعلونه دون نقاش ، ديكتاتورية في حكمي ، ولكني أَمَةٌ في هواه ، تُراه يأمرني ؟

آه لو أمرني ! في تلك اللحظة سأختبر شعوري بكوني أمة ، جارية في محرابه ، لازال يعاملني من بعيد .

لو اقترب حقا لتركت له زمام الأمور ، سأتعلق بذراعه وأتحامل عليه ، سأترك نفسي يحملها مركب الهوى ، لتتهادى على موجه الرائق ، وأنسى معها من أكون .

إلا حقا من أنا ؟!!

هل أُعّرفَ نفسي قبله ؟ أم بعده ؟

أنا صرت امرأتين لكل منهما تعريف مستقل .

هل أعرفني ؟!!

سؤال يتردد في داخلي ، من أنا ؟

أنا التي في الحياة وريقة على شجرة تعاني خريفاً دائماً ، يوم تساقطت حملها الهواء من مرفأ إلى مرفأ ولم تستقر .

أنا دمعة متحجرة في مآقي لم تعرف غير الأحزان طريقا .

هذا أنا قبلا  .

بعده .

لا داعي أن أجيب فدع تلك الدمعة الفرحة التي تحفر وجنتي برفق وهوادة تخبرك ، دع انطلاقي يقول من أنا ؟ 

اتركوني الآن ولا أسئلة ، دعوني استعد للقائه .

  

 

 (2)

كانت تلك البداية بدايتها معه ، بداية نسجت حروفها حرفا … حرفا بإبرة رفيعة جدا أرهقتها أيما إرهاق .

استطاعت انتزاعه من براثن حب كان عليه مسيطرا رغم أنه كان عنه بعيدا ، حبا توارى مع الأيام ومع الزمن إلا أنه يسكنه .

أيسكنه لأنه أراده ؟! أم لأنه لا يود الحياة بلا شيء يشغله ؟

لم يشغلها انشغاله بغيرها ، كل ما همها أن تنتزعه من الوهم ليدخل معها في وهمها .

كل التحذيرات باتت بلا معنى أمام العشق الرابض داخلها له .

عشق !!! أي عشق ؟!

هل بحق كانت عاشقة ؟

لا أعرف لماذا اعتبرتها واهمة .

منذ هذه اللقاءات الأولى وأنا أراها واهمة ، بت أرقبها من بعيد أرى تطورات اللعبة التي دخلتها وأدخلتني معها فيها ، وكيف لا أدخل ؟!

كانت على مشارف الثلاثين حين التقته للمرة الأولى .

المرة الأولى لهذه الكلمة سحر غريب ؛ دائما هناك مرة أولى ، لابد من بداية لكل شيء ليس هناك نهايات بلا بدايات .

المرة الأولى تلك التي وقعت عينيها عليه ، بادرها التحية وجلست إليه في صحبة أغلبهم كانوا يلتقون للمرة الأولى .

مرة أخرى المرة الأولى .

أصدقاء اتفقوا على اللقاء صحبوا معهم بعض أصحابهم كان غريبا عن الناس ،وكانت هي كذلك ، أقحمتها صديقتها وسط جمع لا تعرفه وكان بينهم لا يعرف غير صديقه الذي أتى معه .

انسحبا بالكلام بعيدا تضافرت مواضيعهما ، تناثرت الضحكات ، تعانقت العيون أو ظنت أنه بادلها العناق .

لحظة صمت تأملته فيها ـ انتبهت لعينيها التي مزقته تمزيقا فشعرت بالخجل ـ كان عن وجهها بعيدا ليلتفت فتصدمه بوجهها المشع احمرارا ، إلا أنه صمت ولم يتكلم .

لم تعطه الفرصة ليسأل ، بادرته بسؤال من أسئلتها كانت لعبتهما الأوراق والأقلام .

يتخذون منها أكثر من تسلية ، اطلع على كتابها فر بعضاً من صفحاته ، انطلق على الكلمات بعين نارية مترصدة ، عدا على الحروف والعبارات عدوا ، توقف لدى بعض العبارات سألها : أتحبين ؟

باغتتها المباشرة .

فأعاد تكرار السؤال ونظر لها نظرة متعجبة فهي بدت كمن تبحث عن إجابة .

بادرته بجملة قرأتها في رواية أحلام مستغانمي ذاكرة الجسد نحن نكتب الروايات لنقتل الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئا علينا نحن نكتبهم لننتهي منهم .

- إذاً كان هناك ثم مضى ؟

- لا أستطيع القول بأنه كان حبا ، قل أنه كان وهما ثم مضى .

تمنت لو قال مثل بطل أحلام : يا قاتلة ، إلا أنه لم يقل .

في تلك اللحظة فقط أدركت أنها لا تود قتله ، إنها تبغي حياته واقتناصه لنفسها ، عاجلته بمثل سؤاله .

لعن الحب ، ويوم أحب ويوم تلقى الطعنة الأولى .

-         أخذها من يملك مالا وسلطة .

-         نفيت واستوطن الأغراب في بلدي .

-         نحن الغرباء .

قالها مع زفرة أوجعتها ، خرجت محملة بآهة عشق مأفون لامرأة باعت هوى سنين وسنين .

وَجَدَته كمن عاش يبني صرحا وحده طوبة ……. طوبة يحملها على كتفه ، حتى صار بناءه كاملا فإذا بآخر يهدمه مرة واحدة فهذا ليس عصر المعاول وإنما عصر البلدوزرات .

غيّر الموضوع في ثوان معدودة انطلقا للحديث عن عمله وحين تطرقا لعمله الصحفي نسى كل شيء ، بات به حزن آخر حزن مشمول بالقهر على مستقبل بلد بأكمله يسير نحو هاوية سحيقة ، ومستقبل وطن شاسع يضيع تحت أحكام حكامه الديكتاتورية من جهة ،والسطوة الأمريكية من جهة أخرى ، صار كمحارب متخذا من قلمه سيفا .

 وبدا كتلة من الحزن الدائم ، الذي هو من الصعب جعل صاحبه يشعر بالفرح ، غابت في عينيه الحزينتين .

الوقت مر معه كما لو أنه نسمة عبرت مست وجهها ومضت مسرعة .

الانترنت والحديث اليومي عادة لا يقطعها إلا رغبتها الأكيدة في النوم فهو يدخل في أوقات متأخرة ، استسلمت لموعده رغم أنه يرهقها ، صارت تعد اللحظات حتى تلقاه عبر الشبكة الالكترونية . 

 لكنه أبدا لم يصرح لم يقل أي شيء إنه يباغتها بأحداث هوى تملأ حياته ، يسير بمنطق داوني بالتي كانت هي الداء ، وفي كل مرة يفشل الأمر  ،ويخرج بوجع بالقلب .

- أواه يا قلب لم كل صبر السنين يذوب أمام هذا الرجل بالذات ؟  هكذا ظلت تردد منذ عرفته .

أعقاب على ذنب اقترفته ؟ أم على كل الذنوب التي اقترفتها على طول عمرها وعرضه ؟ في سنواتها الثلاثين أجمعين .

  

( 3 )

كل يوم تتكشفه أكثر إنه يفتح لها طريقا شاسعا لحبه ، بالرغم من أنه يحدثها عن نفسه ، عن محبوبتيه ، لا يدري أنه يمسك سكينا بها يطعنها طعنات قاتلة ، تنفذ شيئا فشيئا إلى قلبها .

لكم أشفقت عليها وهو يقول أنها تجري في دمه ـ حبيبته الأولى ـ أغمضت عينيها وضغطت على حروف لوحة المفاتيح بكلتا يديها .

هي في موضع الصديق الذي يلقي ما في جعبته معه ليس إلا .

هي تعلم لا يجب أن تتذمر .

لا أنكر وجعي من أجلها ، رغم أنها تنكر وجودي ، وتقحمني معها في كل شيء .

الغد . بماذا سوف يأتي ؟ كل ليلة أراها تتقلب في فراشها ، كما لو كانت في قلب الصحراء تفترش رمالها في نهار شديد الحرارة .

استيقظت ذات يوم تنادي باسمه .

لحظتها بكيت عليها ، وقفت أمامها أنهرها ، حالها أوجعني ، أَبكَى دمعي العزيز ، إن هذه المساحيق التي تزين بها وجهها كما المشارط تجرح وجنتيها وتدعي أنها تواري بها بعض شحوبها .

لم تعد هي .

تدعي أنها صارت امرأة جديدة ، هي فعلا كذلك ، إلا أنها امرأة خلقت العذاب لنفسها .

ذهبت للقائه .

عادت ترسم البسمة على وجهها .

تتخيل أن بإمكانها خداعي ، قرأت سطور ملأى بحبيبتيه على وجهها ، أَوَ تذهب له لكي يحدثها عنهما .

تجذبه ليحكي عن عمله هي تعلم أنه في أصدق حالاته حين يكون العمل محور حديثه .

ولكنه يعود بها إليهما .

عَرَفتُ كم المعاناة والحزن حين جلست تزين الصفحات البيضاء بحروف أوجاعها ، سالت الدمعات منها جياشة على نهر صفحتها ، اختلطت بحبر الكلمات .

تركتها تبكي .

لم يكن بإمكاني التدخل فيما أرادته أكثر من هذا ، لقد ملّت وضع الصديق الذي يفضي له بكل ما في جعبته .

أرادت لو تسأله هل لك صديقات غيري لأغار منهن مثلما لك محبوبة تحبها وأخرى تحبك ولا يمكنني أن أغار منهما لأني صديقة ؟

إنه يقول وهي تسمع ، إنه يحكي وهي تنصح وتداوي ، ولا يعرف كم أن مداواته تجرحها ، وتؤذيها جل الأذى .

تركت الدمع الغزير ينسال عله يخفف بعض الوجع .

كان هذا الصباح الجميل بلقائه الأليم بكلماته ما سبّب أن يلتاع قلبها ، بدا لو أنه يتلاعب بها وبمشاعرها ،هكذا أحسسته أنا .

اتفقا على لقاء آخر ، وقفت قليلا أمام المرآة تحاول أن تخفي علامات البكاء ، وذلك الوجه المجهد ولم تدر ماذا تفعل ؟

حاولت أن تنتقي ثوبا فجأة كل الأثواب تشابهت .

هل من الممكن أن تلقاه عارية كصورتها هذه في المرآة ؟

إن كل جزء منها يصرخ ، كل قطعة فيها ثائرة تتحدى ؛ أليس هناك من يفض بكارة هذا الجسد الثائر ، يعلق به لا يتركه يكتشف جمال تلك المعزوفة الصائمة الصامتة ؟

لم تفكر يوما في هذا ؛ لماذا الآن ؟!! لماذا هذا الرجل هو من أرادت أن يستبيح حرمة جسدها دون تردد أو خوف ؟

هل لأنها صارت تراه في كل شيء على صفحات الجرائد والكتب أمامها في كل وقت ، كلماته وصورته وصوته ؛ لقد كادت تموت أكثر من مرة وهي تعبر الطريق ، كان أمامها ، فلم تر السيارات التي تعدو أمامها ، باتت كلماته التي يكتبها أمامها على صفحة شاشة الكمبيوتر تشغلها ، تتغنى بها ، وترددها ، صرت أراها تضحك وهي في الشارع تسير وحدها ،أو حتى مع أحد ، لم تعد تسمع ما يقوله الآخرون ، لأنها لا تسمع سواه .

لم تعد تعلق على أي كلام لأن ما تقوله لن يكون إلا ردا على كلماته لا على محدثيها ، جُنت بهواه !

وصلت حيث كان ، تَعَجَّبَها !

المزيد


حالات حب

أغسطس 29th, 2007 كتبها رباب كساب نشر في , قصص

حالات حب

 

جلست إليه ذات يوم أتطلع إلى وجهه الذي أعشق تفاصيله ، وجدتني أسأله : لماذا تهواني ؟

تظر إليّ بعينين ملؤهما الحنين ولم يتكلم ، ربت على كتفي وابتسم ، قَبّل جبهتي ومضى .

تركني والسؤال ،وفي عينيّ تفاصيل وجهه الذي أعشقه .

**********

قالت لي في خفوت : أحبه ولا يهواني .

كيف عَرَفَتْ أنه لا يُحبها ؟

تعتقد أن صمته الدائم هو السبب ، لم يقل لها يوما أحبك .

لم أجد لديِّ ما أقوله لها .

جاءتني بعد أيام تحمل بشرى لقد قرر الزواج بها .

**********

ساعات من الانتظار ، أيام من الألم ، إنه بعيد ، مسافر أرهقه السفر ، أراه يوما ويغيب عشرا .

صرخت به : كرهت بعدك .

لم يكن بيده حيلة ، هكذا هو شئت أم أبيت .

مَدَّ لي يده بوردة وقبّل يدي وقال : إلى لقاء قريب .

أغمضت عيني وتركته يمضي .

مرت أيام وراء أيام ، شهور أعقبتها شهور ، تصلني منه خطابات ذات كلمات يسيرة يتضاءل عددها خطابا بعد آخر .

عاد بعدها وفي يده وردة لم تمتد لي يده بها ، امتدت لمن تتأبط ذراعه وهو يقبّل يدها .

**********

في غفلة مني تركتها تحتل مكاني لديه ، أنا السبب ، فتحت لها ثغرة نفذت منها إليه .

المزيد